المساحة التي لا يشاركك فيها أحد
لا أحد يعرف كل شيء عنك.
حتى أقرب الناس إلى قلبك لا يرون إلا
الجزء الذي تسمح له بالظهور.
فهناك مساحة داخل الإنسان لا يصل إليها
أحد،
مساحة صامتة، عميقة،
لا تُفتح بالأسئلة،
ولا تُكشف بالمواقف،
ولا تُقرأ من الكلمات.
إنها المساحة التي تحتفظ فيها الروح
بأصدق ما مرّت به:
بالأفكار التي لم تُقال،
وبالأحلام التي لم تُكتب،
وبالأوجاع التي لم تجد طريقًا للخروج.
مساحة يعيش فيها الإنسان بصورته الحقيقية،
دون رتوش، دون تبريرات،
ودون محاولات لأن يكون مقبولًا أمام
أحد.
في هذه المساحة يتخذ الإنسان أهم قراراته،
ويتخلى عن أثقل الأشياء،
ويعيد ترتيب علاقاته وحدوده وأمانه.
فهناك أمور لا تنضج إلا في الداخل،
ولا يفهمها إلا صاحبها،
ولا تستقيم إلا حين تُترك في هذه المنطقة
الهادئة من النفس.
ولعل قوة الإنسان الحقيقية لا تُقاس
بما يقوله للناس،
بل بما يحدث في هذه المساحة حين يكون
وحده.
كم مرة اختار الصمت بدل الجدال؟
وكم مرة ابتسم وهو مكسور،
ليحمي شخصًا آخر من حزنه؟
وكم مرة غادر علاقة بسلام خارجي…
بينما كان داخله يحارب كي ينهض؟
هذه المساحة ليست ضعفًا،
وليست انسحابًا من الحياة،
بل هي المكان الذي يتشكل فيه الوعي.
كل لحظة إدراك،
كل خطوة نضج،
كل حوار داخلي صادق…
يحدث هنا.
والأجمل أن هذه المساحة لا تحتاج لشهود.
يكفي أن تفهمها أنت،
أن تسمع صوتك الحقيقي فيها،
وأن تعرف ماذا تحتاج كي تكمل.
قد يحاول البعض الدخول إلى هذه المنطقة،
وقد يظنون أنهم يعرفونك أكثر مما تعرف
نفسك…
لكن الحقيقة أن لا أحد يعبر هذا الباب
إلا بإذنٍ من داخلك.
فهي الجزء الذي يحفظ اتزانك،
ويذكّرك بمن تكون،
حتى عندما تُربكك الحياة،
وتتغير الظروف،
وتتبدل الوجوه حولك.
وحين يحترم الإنسان هذه المساحة،
ويصونها،
ولا يسمح لأحد بتشويهها…
يعيش بسلام لا يمنحه العالم،
وبوعي لا يتوقف عند الأحداث،
وبقوة لا تحتاج إلى إعلان.

تعليقات
إرسال تعليق