روائحٌ تعود بنا إلى البيوت التي لم تغادرنا
للروائح ذاكرة لا تشبه أي ذاكرة.
إنها لا تسأل، ولا تطرق الباب،
بل تدخل من أبسط شقّ…
لتعيد الإنسان إلى بيتٍ أحبّه،
ومائدةٍ جلس حولها،
وصوتٍ كان يملأ المكان حياة.
رائحة الطعام في بيت العائلة ليست
مجرد نكهة…
إنها زمن كامل.
زمن يجلس فيه الجميع حول طبق واحد،
يضحكون، يختلفون، يتحدثون بلا حساب
للوقت،
ثم ينهضون وبداخلهم شعور لا يعرفون
كيف يصفونه…
شعور الانتماء.
اللعب في طفولتنا كانت له رائحة أيضًا.
تراب الحوش،
ماء الغسيل،
رائحة ملابس المساء الدافئة،
ورائحة اليدين بعد أن تعبنا من الركض.
هذه التفاصيل الصغيرة لا تُمحى،
لأنها لم تكن مجرد لعب…
كانت أول معنى للحرية.
والحنين؟
الحنين له رائحة يعرفها القلب قبل
العقل.
رائحة تشبه اللحظة التي نعود فيها
للمنزل بعد غياب طويل،
حين نفتح الباب ونشعر أن كل شيء مألوف…
الهواء، الأثاث، حتى الصوت الخافت
في البعيد.
كأن المكان يقول:
أهلاً… لم تتغيّر، ونحن أيضًا لم نتغير.
البيوت لا تغادرنا حتى حين نغادرها.
تبقى في رائحةٍ نعرفها بين ألف،
في طبقٍ يشبه طبق الأم،
في ضحكة طفلٍ تُعيد للروح ما فقدته،
في فوضى بسيطة تذكّرنا بطمأنينة الأيام
القديمة.
هناك رائحة هي رائحة العائلة.
رائحة لا تُصنع بالعطور،
ولا تُباع،
ولا تُكرر.
إنها خليط من طعامٍ على النار،
وبابٍ يُفتح،
وأقدامٍ تتحرك،
وأحاديثٍ متشابكة…
ورحمة واسعة تستقر في القلب دون ضجيج.
كل مرة نشم فيها شيئًا يشبه تلك الأيام،
نعرف أننا لم نبتعد حقًا.
نحن فقط كبرنا،
لكن شيئًا في الداخل بقي صغيرًا…
يستجيب للحنين بأبسط الروائح.
وربما هذا هو السر:
أن البيوت الحقيقية لا تُبنى بالجدران…
بل تُبنى بالرائحة التي تبقى في الذاكرة،
وترافق الإنسان أينما ذهب.

وللأسف تبقى رائحة الأم والأب طاغية على هذه الدكريات
ردحذف