الوعي الذي يأتي متأخرًا
بعض الحقائق
لا تظهر في وقتها.
تمر التجربة،
وينتهي الموقف، وتغادر الأشخاص…
ثم فجأة،
وبعد أيام أو شهور أو حتى سنوات،
يعود كل شيء
إلى السطح بشكل مختلف،
كأن العقل
كان يحتاج إلى مساحة أكبر،
أو كأن القلب
لم يكن مستعدًا للفهم بعد.
ليس كل وعي
يولد في اللحظة التي نحتاجه فيها،
بعضه يأتي
متأخرًا…
لكن حين يصل،
يغيّر كل شيء.
فالإنسان
لا يرى الأمور كما هي،
بل كما تسمح
له أوجاعه ونضجه ورؤيته.
ولهذا يحدث
أن نمرّ بتجربة مؤلمة،
ولا نفهم
قيمتها إلا حين نتجاوزها.
أو نتمسّك
بشيء ظننّاه مهمًا،
ثم نكتشف
لاحقًا أنه كان يستهلكنا أكثر مما يعطينا.
أو نلوم أنفسنا
على قرار،
ثم يظهر الوعي
ليخبرنا أنه كان القرار الوحيد الممكن حينها.
الوعي المتأخر
ليس اعترافًا بالخطأ،
بل إعلان
بأن الإنسان تغيّر.
وأن النسخة
التي تعود لتفهم اليوم
ليست تلك
التي عاشت الأمس.
أحيانًا يأتي
الوعي ليكشف:
أن العلاقة
التي قاتلنا من أجلها لم تكن تستحق كل ذلك.
أو أن الصمت
الذي حملناه كان أذكى من ألف كلمة.
أو أن الحزن
الذي ظننّاه نهاية
كان بداية
نضجٍ لم نكن سنبلغه بطريقة أخرى.
وأحيانًا
يأتي الوعي ليضع يدًا على كتفك ويقول:
كنت قاسيًا
على نفسك… دون داعٍ.
فيخفّ اللوم،
ويهدأ القلب،
ويصبح الماضي
جزءًا من الحكاية… لا من العقاب.
الوعي المتأخر
يمنح الإنسان شيئًا لا يُقاس:
مساحة يرى
فيها نفسه بوضوح.
يتعلّم فيها
لماذا تعلق،
ولماذا صمت،
ولماذا قاوم،
ولماذا مضى.
إنه يعيد
ترتيب الذكريات،
ويفرز الأصوات
التي علقت بداخلنا،
ويعيد كل
شيء إلى حجمه الطبيعي.
ليس ليُعيد
الزمن،
بل ليُعيد
الإنسان إلى نفسه.
وحين يصل
الوعي ولو بعد سنوات
يصبح الماضي
أخف،
والحاضر أوسع،
والقرارات
القادمة أكثر نضجًا.
لأن كل ما
لم نفهمه يومًا…
نتعلم أخيرًا
كيف نراه كما هو،
لا كما أردنا
أن يكون.
الوعي المتأخر
ليس متأخرًا حقًا.
إنه يأتي
في اللحظة التي نكون جاهزين فيها تمامًا لاستقباله.
ولعل أجمل
ما فيه
أنه يمنح
الإنسان شجاعة أن يغلق أبوابًا،
ويفتح أخرى،
ويمشي بخطوات
تشبهه…
لا تشبه خوفه
القديم.

تعليقات
إرسال تعليق