حين يحتضن الشتاء أرواحنا بصمته

 

 


  

للشتاء طريقة لا تشبه أي فصل آخر في الاقتراب من الإنسان.

لا يقتحم الحياة بصخب،

ولا يفرض حضوره بدراما،

بل يصل بهدوءٍ ينساب إلى الداخل قبل أن يملأ الهواء من حولنا.

 

في الشتاء، تصبح الأشياء أكثر صِدقًا.

الأصوات أخفّ،

الخطوات أبطأ،

واللحظات أطول مما تبدو عليه.

حتى المشاعر تكتسب عمقًا جديدًا،

كأن البرد يعرّي ما فوق السطح ليكشف ما تحت الجلد من دفء.

 

الشتاء فصل الصمت

لكنّه ليس صمتًا فارغًا،

بل صمت يحتوي،

يصغي،

ويمنح الأرواح فرصة أن تجلس مع نفسها دون تشتيت.

 

في برد الشتاء، يتعلّم الإنسان معنى الدفء الحقيقي:

دفء المكان،

دفء القرب،

دفء الفنجان الذي يمسكه براحتيه،

ودفء الكلمات القليلة التي تقال بنبرة بطيئة،

فلا تعكر صفو اللحظة.

 

هناك سكينة لا تتكوّن إلا في الشتاء.

كأن هذا الفصل صُمّم ليعيد ترتيب الداخل،

ليجعل الحنين أخفّ،

والحب أعمق،

والذاكرة أقرب،

والأمان أكثر وضوحًا.

 

وفي صمته، يحتضن الشتاء أرواحنا بطريقة لا ننتبه لها:

في تلك الجلسة التي يطول فيها الحديث دون سبب،

في الضحكة التي تتصاعد في غرفة دافئة،

في البطانية التي تخفي تحتها قلق يومٍ مرّ،

وفي المساء الذي يبدو أطول… فقط ليتسع لمشاعرنا.

 

ربما لأن الشتاء يذكّر الإنسان بأن الحياة ليست سرعة فقط،

ولا إنجازًا فقط،

ولا ركضًا بلا نهاية.

بل هي أيضًا لحظات بطيئة،

هادئة،

ناعمة،

تتشكل فيها الروح من جديد.

 

والأجمل من ذلك،

أن كل بردٍ خارجي،

يدعونا لاكتشاف دفء داخلي لم نكن نعرف وجوده.

فالشتاء ليس فصل البرد

بل فصل الاقتراب.

 

حين يحتضن الشتاء أرواحنا بصمته،

نتذكر أن الهدوء ليس نقصًا،

وأن البساطة ليست ضعفًا،

وأن المساحات الدافئة حتى  الصغيرة منها

قد تكون أجمل ما يحدث لنا طوال العام.

تعليقات

  1. الشتاء موسيقى السماء تعزف كل فصل على مسرح مشاعرنا

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بداية الحكاية

حين اخترت أن أسمو

عندما تُغاث الروح