الأكتاف التي حملت ما لا يُحكى

 

هناك أكتافٌ لم تُخلق لتكون قوية

لكن الحياة جعلتها كذلك.

أكتافٌ حملت مسؤوليات لم تخترها،

وضمّت أحمالًا لم تعلنها،

ووقفت في أماكن كان يفترض أن تقف فيها قلوب كثيرة، لكنها لم تفعل.

 

ليس كل الحمل ظاهرًا للعين.

بعض الأثقال يعيش في الداخل:

في الصمت،

في التفكير الطويل،

في القرارات الصعبة التي يتخذها الإنسان وحده،

وفي تلك الليالي التي يُتعبه فيها عقله أكثر مما يتعبه العالم.

 

الأحمال ليست دائمًا واجبات
ثقيلة أو أعمالًا شاقة،

بل قد تكون كلمة يجب قولها،

أو موقفًا يجب الوقوف فيه،

أو شعورًا ينبغي احتماله،

أو علاقة يجب حملها حتى ينتهي الطريق.

 

وهناك من يحمل الآخرين معه

مشاعرهم، مخاوفهم، توقعاتهم، احتياجاتهم،

حتى يكاد ينسى وزن نفسه.

 

الأكتاف القوية ليست تلك التي لا تتألم،

بل تلك التي تعرف كيف تستمر رغم الألم.

تعرف متى تضع الحمل قليلًا لتتنفس،

ومتى ترفعه من جديد لأنها لا تملك خيارًا آخر.

 

وهناك من يحاول الظهور بمظهر ثابت،

بابتسامة واسعة،

وبأمل لا ينطفئ،

لكن الحقيقة أن داخله غرفة مليئة بالأثقال المؤجلة،

وبالقرارات التي لا بد أن تُحسم،

وبالشعور الذي لا يعرف كيف يضعه أو أين.

 

الأحمال الثقيلة تصنع في الإنسان شيئًا لا تُعلّمه الكتب:

تصنع الحكمة.

تصنع القدرة على فهم الآخرين،

والتماهي مع ضعفهم،

ومسامحة أخطاء لم يكن ليغفرها لو لم يختبرها في نفسه.

 

لكن مهما كانت الروح مرنة،

ومهما كانت الأكتاف قوية،

لا بد من لحظة يضع فيها الإنسان كل شيء جانبًا

لحظة يترك الحمل على الأرض،

ويتذكر أنه ليس آلة،

وأنه يحتاج إلى راحة،

وإلى مساحة لا يتحمل فيها أحدًا ولا يتوقع منه أحدٌ شيئًا.

 

وحين تأتي هذه اللحظة،

يدرك الإنسان أن القوة ليست في حمل كل شيء،

بل في معرفة متى يترك شيئًا

لأن حمله لن يصنع منه بطلًا،

بل سيأكل شيئًا من روحه.

 

الأكتاف التي حملت أكثر مما قيل

هي ذاتها التي تستحق أن تُخفَّف،

أن تُرفَق،

أن تُربَّت،

وأن تتعلم أن توزيع الحمل ليس ضعفًا،

بل نجاة.

تعليقات

  1. نعم الاكتاف القوية ليست التي لا تتألم بل التي تستمر تحمل رغم الألم ...احسنت

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بداية الحكاية

حين اخترت أن أسمو

عندما تُغاث الروح