عندما تعود الروح لذاتها


 تمر لحظات كأن الزمن فيها يبطئ أنفاسه

تتوقف الحياة عند عتبة لا تُشبه ما مضى، 

وتتعانق الأسئلة مع التعب في صمتٍ ثقيل، 

فيكشف الإنسان هشاشته كما لو كان عاريًا أمام نفسه، 

لا مفرّ، لا تَجاهل… فقط مواجهة صادقة مع العمق.

في تلك اللحظات، لا تبحث الروح عن بطلٍ خارجي،

ولا عن وعدٍ يرممها،

بل تبدأ بهدوء يشبه حكمة الأشياء التي تنضج في الظل

في الالتفات إلى داخلها… إلى المساحة التي لا يصل إليها أحد.

 

فالإنسان لا ينهض فقط لأنه قوي،

بل لأنه كائن يبحث عن معنى؛

وعندما يفقد معنى ما، تنطلق روحه دون أن يدرِك

للبحث عن معنى آخر أكثر ملاءمة لنضجه الجديد.

 

العودة لا تأتي دفعة واحدة.

تأتي على شكل وعي صغير يتسلل بين الأفكار:

فكرة تقول إن الألم ليس نهاية،

وأن الفقد ليس حكمًا،

وأن ما كُسر في الداخل يمكن أن يصبح طريقًا لفهمٍ أوسع للعالم وللذات.

 

الفلاسفة يقولون إن الإنسان يولد مرتين:

مرةً حين يأتي إلى الحياة،

ومرةً حين يعرف نفسه.

ولعل الانكسارات ليست إلا مقدّمات للولادة الثانية؛

للوعي الذي لا يأتي إلا حين يتعرّى كل ما ظننّا أنه ثابت.

 

وتدريجيًا

يتحوّل الألم من ثقل إلى معلّم،

والصمت من وحدة إلى مساحة تفكير،

والسقوط من عثرة إلى نقطة ارتكاز جديدة.

 

الروح التي تعود إلى ذاتها لا تعود كما كانت؛

تعود أكثر تبصّرًا بحدودها،

أكثر قدرة على اختيار ما يضيف إليها،

وأكثر فهمًا لقيمة الهدوء الذي لا يشتريه شيء.

 

وعند هذه العودة

لا يعود الإنسان مشغولًا بآراء الآخرين،

ولا متوترًا من الفقد،

ولا ساعيـًا خلف ما لا يشبهه.

لأنه إدرك أن الأشياء التي بُنيت على غير صدق،

تسقط مهما حملناها،

وأن ما بُني على فهمٍ عميق للذات… يبقى.

 

تلك هي الفلسفة التي تتعلّمها الروح بعد أن تنهض من تحت الركام:

أن رحلة الإنسان ليست في مقدار ما يملك،

ولا في عدد الذين بقوا معه،

بل في قدرته على العودة إلى نفسه كلما ضاعت منه.

 

وعندما يصل المرء إلى هذا الفهم،

يصبح كل سقوط بداية،

وكل نهاية بابًا،

وكل جرح فصلًا من فصول النضج الذي لم يكن ليكتمل بطريقة أخرى

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بداية الحكاية

حين اخترت أن أسمو

عندما تُغاث الروح