هندسة المشاعر… حين نحاول ترتيب الفوضى التي تحدث في قلوبنا

 

 


هناك لحظات يستيقظ فيها الإنسان على شعور لا يعرف اسمه.

ثقلٌ صغير خلف الضلوع،

ارتباكٌ في النَفَس،

وأسئلة تطرق الداخل دون استئذان.

ولأن المشاعر لا تأتي ومعها شروح،

يبقى الإنسان حائرًا بين ما يحسّه

وما يفعله بهذا الإحساس.

 

هنا تبدأ هندسة المشاعر.

ليست علمًا جامدًا،

ولا مهارة للتفوق على الذات،

بل هي أشبه بضمادة يضعها القلب على نفسه

كي يفهم لماذا ينزف،

وماذا يريد أن يقول.

 

أول الهندسة: التسمية.

أن تجلس مع شعورك كما تجلس مع ضيفٍ غريب،

تسأله بصوتٍ لا يخشاه:

من أنت؟

هل أنت غضبٌ جاء ليذكّرني بحدودٍ نسيتها؟

أم خوفٌ يريد أن يضعني على طريقٍ أكثر أمنًا؟

أم حزنٌ يحمل بقايا شيء كان يهمّني؟

عندما يُسمّى الشعور،

يتحوّل من عاصفة… إلى مخلوق يمكن النظر إليه.

 

ثم تأتي مرحلة الإصغاء.

فكل شعور، حتى القاسي منها، يحمل رسالة.

الغضب ليس شريرًا؛

إنه يرفع يده ليقول: احمِ نفسك.

الحزن ليس خصمًا؛

إنه يجلس قربك ليهمس: تعافَ مما فقدته.

والقلق

القلق ليس لعنة،

بل إشعار صغير بأن هناك شيئًا ينتظر ترتيبك.

 

وحين تُفهم الرسالة،

تهدأ الروح قليلًا،

ويصبح الداخل أقل ارتباكًا.

هنا يستطيع الإنسان أن يفعل شيئًا لم يكن ممكنًا قبل لحظات:

أن يفصل الشعور عن الفعل.

 

يمكن للقلب أن يغضب… دون أن تتكسر العلاقة.

يمكن للإنسان أن يحزن… دون أن يختفي.

يمكنه أن يخاف… دون أن يتراجع عن كل شيء.

المشاعر نيران،

لكن الفعل هو اليد التي تقرر إن كانت ستدفأ بها

أم ستحترق.

 

ولأن الإنسان مخلوق من نبض،

لا يمكنه دائمًا هندسة كل شيء فورًا.

خاصة حين يشتعل الغضب بسرعة،

أو يهبط الحزن كسحابة كثيفة.

لكن هناك حقيقة إنسانية بقدر ما هي علمية:

المشاعر القوية تحتاج تسعين ثانية فقط لتخمد حدّتها.

تسعون ثانية من الصبر،

من الصمت،

من ترك الموجة تمر دون أن تجرفك معها.

وبعد أن تهدأ العاصفة،

يظهر الطريق بوضوحٍ لم يكن ممكنًا في لحظتها الأولى.

 

وهذا هو جوهر هندسة المشاعر:

أن تجعل من كل إحساس نافذة… لا سجنًا.

من كل ضعف معرفة… لا عثرة.

ومن كل خوف خطوة جديدة في اتجاهٍ أكثر صدقًا مع النفس.

 

الغضب يكشف حدودك.

الحزن يعيد ترتيب قلبك.

القلق يذكرك بما لم تنهه بعد.

والفرح

الفرح هو العلامة التي تخبرك أنك تسير نحو ما يشبهك.

 

حين تحتاج المشاعر الإيجابية إلى هندسة أيضًا

 

ولأن المشاعر ليست ظلالًا داكنة فقط،

بل أضواءً تلمع داخل الروح،

فإن الأضواء مثل الظلال تحتاج إلى هندسة.

فالفرح حين يفيض قد يدفع الإنسان إلى طرقٍ لم يفكر فيها جيدًا،

والحماس إذا اشتعل بلا اتجاه يحرق الوقت والجهد،

والحب إن لم يُهندس،

يتحول من دفء جميل

إلى تعلق يبتلع صاحبه.

 

حتى التفاؤل يحتاج إلى عين يقظة،

كي لا يصبح إنكارًا لحقائق لا تختفي برغبتنا.

وحتى الهدوء يحتاج إلى وعي،

كي لا يتحول إلى صمتٍ يخبئ خوفًا لا نعترف به.

 

المشاعر الإيجابية تبدو آمنة،

لكنها أكثر المشاعر قدرة على خداع الإنسان

لأنها تأتي بوجهٍ جميل،

وتقود الروح بخفةٍ نحو ما لا يشبهها.

ولهذا يجب هندستها أيضًا

ليس كي تُكبح، بل كي تُوجَّه

كما نوجّه النور عندما يكون ساطعًا أكثر من اللازم.

 

فكما نرتّب الفوضى داخلنا،

نرتّب الفيض أيضًا،

كي يبقى القلب متزنًا

ويمشي الإنسان بخطواتٍ تشبهه،

لا بخطوات تسحبه مشاعره إليها.

 

هكذا،

بدل أن تغرقنا المشاعر،

تصبح جزءًا من بنائنا،

جزءًا من وعينا،

جزءًا من الرحلة التي نتعلم فيها كيف نعيش مع أنفسنا بسلام

وليس ضدها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بداية الحكاية

حين اخترت أن أسمو

عندما تُغاث الروح