السبع العجاف

 


هناك سنوات تمرّ على الروح لا تُشبه ما قبلها ولا ما بعدها.

سنوات يتبدّل فيها وجه الحياة، وتُغلق فيها الأبواب بلا سبب، ويضيق فيها الصدر حتى يكاد ينسى كيف يتنفس.

نسميها السبع العجاف… لكنها في حقيقتها ليست عجافًا إلا على ظاهرها؛ أمّا في الباطن فالله ينحت الإنسان نحتًا، ويعيد تشكيله قطعة قطعة.

 

في السبع العجاف لا يجفّ الرزق فقط… بل يجفّ المرء من الداخل.

تجفّ الطاقة، والمشاعر، والاندفاع القديم.

تتساقط الأشياء التي ظنّ الإنسان أنها ثابتة: علاقات، خطط، أحلام لم تعد تشبهه.

ويتعلّم بطريقة قاسية أن ما يُؤخِّره الله عنه… لم يكن له أصلاً.

 

هذه السنوات ليست مرحلة ضعف، بل مرحلة كشف.

تنكشف حقيقة الإنسان، وينكشف معه كل ما حوله.

من يبقى حين يتعب القلب، ومن يرحل حين لا تعود الأمور كما يريدها.

من يراك إنسانًا، ومن يراك فرصة أو فراغًا أو محطة مؤقتة.

 

وفي السبع العجاف، يتعلّم الإنسان ما لا يُقال:

أن الرزق ليس مالًا فقط، بل سلامًا لا ينهار كلما خذله أحد.

أن القوة ليست صراخًا ولا صلابة… بل قدرة الروح على النهوض بعد كل سقطة.

أن اليقين ليس أن يرى الطريق… بل أن يمضي فيه ولو كان معتمًا.

 

تمرّ الليالي الثقيلة التي لا تُنسى،

الليالي التي يشعر فيها الإنسان أنه يتشقق من الداخل،

لكنها الليالي نفسها التي يخرج منها مختلفًا، أثبت، أصفى، وأصدق مع نفسه.

 

السبع العجاف هي السنوات التي تُنضج الجذور.

لا أحد يرى ما يحدث تحت التراب… لكن الله يرى.

لا أحد يسمع ارتجاف القلب… لكن الله يسمع.

لا أحد يعرف كم مرة قاوم الإنسان الانهيار… إلا الذي كتب له النجاة.

 

ثم تأتي مرحلة لا تشبه شيئًا مما قبلها:

تبدأ السبع السمان.

سنوات الفتح، والخير، والوضوح.

سنوات يمتلئ فيها القلب دون طلب، وتأتي فيها الأقدار التي تأخرت، ويُمنح فيها ما كان يُظن أنه ضاع.

حينها فقط يفهم الإنسان أن العجاف كانت طريقًا للسمان، وأن ما كسره الله فيه… كان لابد أن ينكسر ليُبنى من جديد.

 

السبع العجاف ليست قصاصًا، بل منحة مخفية.

هي امتحان لليقين، وصقل للقلب، وتربية للروح كي تعرف قيمتها الحقيقية.

ولأن الله لا يترك روحًا في العراء، فهو لا يطيل عجافها يومًا واحدًا بعد الموعد الذي يكتبه لها.

 

وإن مرّ إنسانٌ بسنواتٍ صعبة، فليطمئن.

قد يكون في أعمق نقطة من رحلته… لكنه أيضًا أقرب نقطة إلى نوره القادم.

فالسنوات التي فقد فيها نفسه، هي نفسها السنوات التي سيجد فيها حقيقته.

 

هذه هي السبع العجاف

سنوات تهدم، لتُقيم من جديد، على هيئة أجمل، وأثبت، وأقوى مما كان يتخيّل.

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بداية الحكاية

حين اخترت أن أسمو

عندما تُغاث الروح